محمد جمال الدين القاسمي
184
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 252 ] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 ) تِلْكَ ، أي المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام جالوت وقتل داود إياه وتملكه آياتُ اللَّهِ إذ هي أخبار غيوب تدل على كمال قدرته سبحانه وحكمته ولطفه نَتْلُوها عَلَيْكَ ، أي ننزل عليك جبريل بها بِالْحَقِّ ، أي اليقين الذي لا يرتاب فيه وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ بما دلت عليه هذه الآيات من علمك بها من غير معلم من البشر ، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر . وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة . كما أن فيها تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلم من الكفار والمنافقين . فكأنه قيل : قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم . فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك وخلاف من خالف عليك لأنك مثلهم . وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والطوع ، لا على سبيل الإكراه . فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم . والوبال في ذلك يرجع عليهم ؛ وقوله وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ كالتنبيه على ذلك . أشار له الرازيّ . قال البقاعيّ : ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة ، لما فيها للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة رسالته . لأنه مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل . قلت : يرحم اللّه البقاعيّ فإنه لم يطلع على هذه القصة من التوراة مع أنها مسوقة في الأصحاح السابع عشر من سفر صموئيل الأول ونصّه : ( 1 ) وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب فاجتمعوا في سوكوه التي ليهوذا ونزلوا بين سوكوه وعريقة في أفس دمّيم . ( 2 ) واجتمع شاول ورجال إسرائيل ونزلوا في وادي البطم واصطفوا للحرب للقاء الفلسطينيين . ( 3 ) وكان الفلسطينيون وقوفا على جبل من هنا وإسرائيل وقوفا على جبل من هناك والوادي بينهم . ( 4 ) فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من جتّ طوله ست أذرع وشبر . ( 5 ) وعلى رأسه خوذة من نحاس وكان لابسا درعا حرشفيّا ووزن الدرع خمسة آلاف شاقل نحاس . ( 6 ) وجرموقا نحاس على رجليه ومزراق نحاس بين كتفيه . ( 7 ) وقناة رمحه كنول النسّاجين وسنان رمحه ست مائة شاقل حديد وحامل الترس كان يمشي